الجزائر – خاص: خيّم الحزن على الشارع الجزائري مع إعلان رئاسة الجمهورية نبأ وفاة الرئيس السادس للبلاد، المجاهد اليمين زروال، عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالتضحيات بدأت من جبال الأوراس وانتهت بمنزله المتواضع في باتنة، تاركاً خلفه إرثاً من النزاهة والمواقف الوطنية التي لم تتزعزع.

الملخص المفيد: رحيل هادئ لرجل المهام الصعبة

توفي الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال مساء السبت (28 مارس 2026) في المستشفى العسكري “محمد الصغير نقاش” بالعاصمة الجزائر، إثر صراع طويل مع مرض عضال. وأعلنت الرئاسة الجزائرية حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام مع تنكيس الأعلام، تقديراً للرجل الذي قاد البلاد في أصعب فترات “العشرية السوداء” وساهم في وضع اللبنات الأولى للسلم والمصالحة الوطنية قبل أن ينسحب طواعية من السلطة.


تفاصيل اللحظات الأخيرة ومسيرة النضال

ولد اليمين زروال في يوليو 1941 بمدينة باتنة، والتحق بصفوف جيش التحرير الوطني وهو في سن الـ16. تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح قائداً للقوات البرية، ثم وزيراً للدفاع، ليجد نفسه في عام 1994 وجهاً لوجه مع التاريخ حين عُين رئيساً للدولة في ذروة الأزمة الأمنية، قبل أن يُنتخب ديمقراطياً في أول انتخابات تعددية عام 1995.

أبرز ما ميّز “زروال” هو تمسكه بمبادئ الدولة الوطنية ورفضه للتدخلات الخارجية، حيث يُسجل له التاريخ رفضه لقاء الرئيس الفرنسي الأوراشي آنذاك “جاك شيراك” في نيويورك بسبب شروط اعتبرها مساساً بسيادة الجزائر.


ماذا يعني رحيله للمواطن والمتابع؟ (تحليل)

رحيل اليمين زروال ليس مجرد غياب لرمز سياسي، بل هو فقدان لـ “بوصلة أخلاقية” كان يلجأ إليها الجزائريون في الأزمات. بالنسبة للمواطن البسيط، يمثل زروال “نموذج الحاكم الزاهد”؛ فهو الرئيس الذي رفض السكن في الفيلات الفخمة، وتنازل عن امتيازات الرئاسة، وعاد ليعيش بين جيرانه في باتنة.

  • سياسياً: يمثل رحيله نهاية جيل “الشرعية الثورية” الذي حاول الموازنة بين الحفاظ على مؤسسات الدولة والانفتاح الديمقراطي.
  • وطنياً: يعيد هذا الخبر تذكير الأجيال الجديدة بقيمة “الاستقالة الطوعية” وتداول السلطة، وهو الدرس الذي قدمه زروال في 1998 حين أعلن تقليص عهدته الرئاسية لفتح المجال لانتخابات مسبقة حقناً للدماء وتجنباً للانسداد.

فقرة تاريخية: عندما تختار الدولة قبل الكرسي

يعيدنا مشهد رحيل زروال إلى عام 1998، حين اتخذ قراره التاريخي بالاستقالة المسبقة، في خطوة شابهت مواقف قادة كبار أثروا المصلحة الوطنية على البقاء في الحكم. هذا الترابط التاريخي يؤكد أن “زروال” كان يرى الرئاسة “عبئاً وتكليفاً” لا “تشريفاً”، وهي الروح التي مكنته من إطلاق قانون “الرحمة” الذي كان حجر الأساس لما عرف لاحقاً بالوئام المدني والمصالحة الوطنية.


أبرز محطات حياته في نقاط:

  • 1957: الالتحاق بجيش التحرير الوطني (الثورة التحريرية).
  • 1993: تعيينه وزيراً للدفاع الوطني.
  • 1994: توليه رئاسة الدولة في مرحلة انتقالية حرجة.
  • 1995: انتخابه كأول رئيس في انتخابات تعددية بنسبة فاقت 61%.
  • 1998: إعلان انسحابه وتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة.
  • 2019: تسجيل موقف تاريخي بدعم الحراك الشعبي ورفض العودة للسلطة بأساليب غير دستورية.

خاتمة: رؤية للمستقبل

يغادرنا اليمين زروال في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى استلهام قيم الرزانة والهدوء السياسي. إن الإرث الذي تركه “الرجل الهادئ” سيظل مرجعاً لكيفية إدارة الأزمات الكبرى دون التضحية بالسيادة الوطنية. وفي المستقبل، سيبقى اسم زروال مقترناً بالنزاهة، وسيكون رحيله حافزاً لتكريس ثقافة “رجل الدولة” الذي يعرف متى يأتي ومتى يرحل، تاركاً وطناً واقفاً رغم الرياح العاتية.

إنا لله وإنا إليه راجعون.. وداعاً حكيم الأوراس.